محمد جمال الدين القاسمي
269
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تعالى في سورة هود أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ هود : 13 ] ، و « الشهداء » جمع شهيد ، بمعنى : الحاضر ، أو القائم بالشهادة ، أو الناصر . و « من » لابتداء الغاية متعلّقة ب « ادعوا » والظرف مستقرّ . والمعنى : ادعوا ، متجاوزين الله تعالى للاستظهار ، من حضركم - كائنا من كان - أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم - الذين تفزعون إليهم في الملمات ، وتعوّلون عليهم في المهمّات - أو القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم - من أمنائكم المتولّين لاستخلاص الحقوق ، بتنفيذ القول عند الولاة - أو القائمين بنصرتكم - حقيقة أو زعما - من الإنس والجن ليعينوكم . وإخراجه ، سبحانه وتعالى ، من حكم الدعاء في الأول - مع اندراجه في الحضور - لتأكيد تناوله لجميع ما عداه ، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه ، فإنّ ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه . وأمّا في سائر الوجوه : فللتصريح من أوّل الأمر ببراءتهم منه تعالى ، وكونهم في عدوة المحادّة والمشاقة له ، قاصرين استظهارهم على ما سواه ، والالتفات لإدخال الروعة ، وتربية المهابة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي : في زعمكم أنه من كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستلزام المقدّم للتالي من حيث إنّ صدقهم في ذلك الزعم يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله ، بقضية مشاركتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم في البشرية والعربية ، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار ، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر ، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام ، لا سيما عند المظاهرة والتعاون - ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به ، ودواعي الأمر به - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 24 ] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي : ما أمرتم به من الإتيان بالمثل ، بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود وَلَنْ تَفْعَلُوا اعتراض بين جزأي الشرطية ، مقرر لمضمون مقدمها ، ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها ، وهي معجزة باهرة : حيث أخبر بالغيب الخاص - علمه به عز وجل - وقد وقع الأمر كذلك فَاتَّقُوا النَّارَ جواب الشرط ، على أن اتقاء النار كناية عن الاحتراز من العناد ، إذ - بذلك - يتحقّق تسبّبه عنه ، وترتبه عليه ،